أخبار مهمةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfعاجل

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : بطولاتٌ لا تُنْسَى، أ. د. عبد الغني الغريب

خطبة الجمعة القادمة بعنوان : بطولاتٌ لا تُنْسَى، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب ، بتاريخ 11 شعبان 1447هـ ، الموافق 30 يناير 2026م.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بصيغة word بعنوان : بطولاتٌ لا تُنْسَى ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب.

 

لتحميل خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بصيغة pdf بعنوان : بطولاتٌ لا تُنْسَى ، للأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب.

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 30 يناير 2026م بعنوان : بطولاتٌ لا تُنْسَى : كما يلي:

 

إِنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْنَا لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ، «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا»، وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا حُبَّ الْوَطَنِ.

رُبَّمَا يُرَدِّدُ الْبَعْضُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ: تُحَدِّثُونَا عَنِ الْوَطَنِ..

الْوَطَنُ… الْوَطَنُ.

كَمْ سَمِعْنَا كَثِيرًا عَنِ الْوَطَنِ.

الْوَطَنُ وَالتَّضْحِيَةُ.

الْوَطَنُ وَالتَّنْمِيَةُ.

الْوَطَنُ وَالشَّهَادَةُ.

الْوَطَنُ وَمَرَافِقُ الدَّوْلَةِ.

نَعَمْ، كَثِيرًا مَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَطَنِ، فَالْحَدِيثُ عَنِ الْوَطَنِ مُتَشَعِّبٌ، يَسْتَدْعِي بَعْضُهُ بَعْضًا، وَنَحْنُ لَنْ نَمَلَّ مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ وَطَنِنَا الَّذِي نُحِبُّهُ.

فَلَا قِيمَةَ لَنَا وَلَا وَزْنَ لَنَا مِنْ غَيْرِ وَطَنِنَا.

بِلَادِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ

وَأَهْلِي وَإِنْ ضَنُّوا عَلَيَّ كِرَامُ

حُبُّ الْوَطَنِ حَنِينٌ يُزَلْزِلُ الْمَكَامِنَ، وَشَوْقٌ يُلْهِبُ الْمَشَاعِرَ.

حُبُّ الْوَطَنِ شَيْءٌ لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ، أَطْلَقَ قَرَائِحَ الشُّعَرَاءِ، وَأَسَالَ مَحَابِرَ الْأُدَبَاءِ، وَأَبْكَى عُيُونَ الْأُوفِيَاءِ. إِنَّهُ الْحُبُّ الَّذِي لَمْ تَخْلُ مِنْهُ مَشَاعِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالصَّالِحِينَ.

حُبُّ الْوَطَنِ فِطْرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ.

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ مَنْ هُوَ الرَّجُلُ؟ فَانْظُرْ كَيْفَ حَنِينُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَتَشَوُّقُهُ إِلَى إِخْوَانِهِ؟

حُبُّ الْوَطَنِ اقْتَرَنَ بِحُبِّ النَّفْسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: 66].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: 8].

حُبُّ الْإِنْسَانِ لِوَطَنِهِ إِنَّمَا هُوَ تَحْقِيقٌ لِمَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ الَّذِي قَالَ فِيهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.

وَقَدْ دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى فِعْلِ كُلِّ مَا يُقَوِّي الرَّوَابِطَ وَالصِّلَاتِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ بَيْنَ بَنِي الْإِنْسَانِ.

قُلْتُ: لَوْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَالِدُكَ فَسَيَبْقَى وَالِدًا لَكَ، وَإِنْ عَقَّكَ ابْنُكَ فَسَيَبْقَى بِضْعَةً مِنْكَ، وَهَكَذَا الْحَالُ مَعَ الْوَطَنِ.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَتْ شِعَارَاتٍ فَارِغَةً.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَتْ احْتِفَالَاتٍ بَاهِتَةً.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَتْ مَقَالَاتٍ أَوْ كِتَابَاتٍ.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ أَوْ أَشْعَارًا.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَتْ أَلْوَانًا أَوْ أَعْلَامًا أَوْ أَوْشِحَةً أَوْ أَقْوَاسًا.

حُبُّ الْوَطَنِ لَيْسَ رَسْمًا أَوْ صُورَةً.

أَيْنَ أَصْحَابُ الشِّعَارَاتِ؟

الَّذِينَ يَتَغَنَّوْنَ بِاسْمِ الْوَطَنِ، وَيَدَّعُونَ خِدْمَتَهُ وَالْعَمَلَ لِصَالِحِهِ، لِتَحْقِيقِ أَهْدَافٍ وَمَصَالِحَ لَا تَمُتُّ إِلَى الْوَطَنِ بِصِلَةٍ، وَتَتَمَثَّلُ فِي خِدْمَةِ جَشَعِهِمْ وَمَطَامِعِهِمُ الَّتِي لَا حُدُودَ لَهَا، أَصْبَحْنَا فِي مُجْتَمَعٍ لَا يَهُمُّهُ الْجَائِعُ إِلَّا إِذَا كَانَ نَاخِبًا، وَلَا يَهُمُّهُ الْعَارِي إِلَّا إِذَا كَانَتِ امْرَأَةً.

حُبُّ الْوَطَنِ شُعُورٌ وَإِحْسَاسٌ، حُبٌّ وَانْتِمَاءٌ. وَهَا هُوَ رَسُولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: لَمَّا أَخْبَرَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ قَوْمَهُ وَهُمْ قُرَيْشٌ مُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.

مِنْ هُنَا نَعْلَمُ هَذِهِ اللَّفْتَةَ الطَّيِّبَةَ، وَهِيَ أَنَّ النِّعَمَ لَا تُحَابِي الْبِقَاعَ، وَإِنَّمَا تَتْبَعُ شَاكِرِيهَا، فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَعْظَمُ النِّعَمِ، فَلَمَّا كَفَرَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ نَقَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَالَ السُّهَيْلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ شِدَّةُ مُفَارَقَةِ الْوَطَنِ عَلَى النَّفْسِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قَوْلَ وَرَقَةَ أَنَّهُمْ يُؤْذُونَهُ وَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ انْزِعَاجٌ لِذَلِكَ، فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ الْإِخْرَاجُ تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ لِحُبِّ الْوَطَنِ وَإِلْفِهِ، فَقَالَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟».

الْوَطَنُ أَرْضٌ وَسَمَاءٌ وَأَمْنٌ وَأَمَانٌ.

رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ».

قَالَهَا بِلَهْجَةٍ حَزِينَةٍ مَمْلُوءَةٍ أَسَفًا وَحَنِينًا وَحَسْرَةً وَشَوْقًا، مُخَاطِبًا إِيَّاهَا: مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَلَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعَلِّمُ الْبَشَرِيَّةِ يُحِبُّ وَطَنَهُ لَمَا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، الَّذِي لَوْ أَدْرَكَ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْلِمٍ مَعْنَاهُ، لَرَأَيْنَا حُبَّ الْوَطَنِ يَتَجَلَّى فِي أَجْمَلِ صُوَرِهِ وَأَصْدَقِ مَعَانِيهِ، وَلَأَصْبَحَ الْوَطَنُ لَفْظًا تُحِبُّهُ الْقُلُوبُ، وَتَهْوَاهُ الْأَفْئِدَةُ، وَتَتَحَرَّكُ لِذِكْرِهِ الْمَشَاعِرُ.

مَنْ يُحِبُّ الْوَطَنَ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَبَثِ أَوِ اللَّعِبِ أَوِ السَّرِقَةِ أَوِ الْخِيَانَةِ.

مَنْ يُحِبُّ وَطَنَهُ يَتَقَدَّمُ بِهِ إِلَى الْأَمَامِ لَا أَنْ يَعُودَ بِهِ إِلَى الْوَرَاءِ.

مَنْ يُحِبُّ وَطَنَهُ يُدَافِعُ عَنْهُ.

وَيُدَافِعُ عَنْهُ وَيُضَحِّي مِنْ أَجْلِهِ وَيَبْذُلُ وَيُعْطِي.

أَيْنَ نَحْنُ مِنْ حُبِّنَا لِوَطَنِنَا وَتَضْحِيَاتِنَا لِوَطَنِنَا؟ فَكُلٌّ مِنَّا لَدَيْهِ مَا يُقَدِّمُهُ لِوَطَنِهِ.

الْحَاكِمُ مَعَ رَعَايَاهُ.

الْعَامِلُ فِي مَصْنَعِهِ.

الْمُدَرِّسُ مَعَ تَلَامِيذِهِ.

الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ مَعَ مَنْ يَدْعُوهُمْ.

كُلٌّ فِي مَوْقِعِ مُهِمَّتِهِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ.

أَخْلِصُوا لِوَطَنِكُمْ بِحَجْمِ مَسْؤُولِيَّتِكُمْ.

حُبُّ الْوَطَنِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ.

إِنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ وَاجِبٌ وَطَنِيٌّ وَدِينِيٌّ فِي كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَفِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِفَرْدٍ أَوْ لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِلْكٌ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، لِذَا فَالتَّفْرِيطُ فِيهِ أَوِ الْعُدْوَانُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَخْطَارِ وَالْجَرَائِمِ.

وَلِأَهَمِّيَّتِهِ فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ، وَيُطَبِّقُ هَذَا عَمَلِيًّا عَلَى نَفْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا، وَعَلَى صَحَابَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.

وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْلِقُ عَلَيْهِ اسْمَ: «مَالِ اللَّهِ»، وَكَانَ يُحَذِّرُ مِنْ عُقُوبَةِ التَّعَدِّي عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَرْوِيهِ خَوْلَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ زَوْجَةُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَالْجَمِيعُ يَعْلَمُ مَا تَبْذُلُهُ الدَّوْلَةُ فِي سَبِيلِ تَوْفِيرِ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ بِهَذَا الْمَالِ الْعَامِّ.

مِنْ طُرُقٍ وَجُسُورٍ وَمَوَانِئَ وَقَنَاطِرَ،

وَحَدَائِقَ عَامَّةٍ، وَمُتَنَزَّهَاتٍ، وَمَدَارِسَ، وَجَامِعَاتٍ، وَنَوَادِيَ، وَمُوَاصَلَاتٍ،

وَكَذَلِكَ مَرَافِقَ خِدْمَاتٍ لِلْمُوَاطِنِينَ مِنْ مَشْرُوعَاتِ الْبِنْيَةِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ،

مِثْلَ: الْمِيَاهِ وَالْكَهْرَبَاءِ، وَالِاتِّصَالَاتِ وَالِانْتِقَالَاتِ، وَالصَّرْفِ الصِّحِّيِّ، وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ وَدُورِ الْعِبَادَةِ.

وَكَذَلِكَ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ وَمَصَافِي الْمِيَاهِ، وَالتِّرَعِ وَالْقَنَوَاتِ وَغَيْرِهَا.

لَكِنْ وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ نَجِدُ الْبَعْضَ لَا يُحَافِظُ عَلَى هَذِهِ الْمُمْتَلَكَاتِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِلْكًا لِلْجَمِيعِ، فَنَجِدُ الْمَدَارِسَ بِهَا تَحْطِيمُ الْمَقَاعِدِ، وَالْكِتَابَةُ عَلَى الْحَوَائِطِ، وَلَصْقُ الْإِعْلَانَاتِ عَلَى أَسْوَارِهَا.

وَنَجِدُ أَنَّ الْمُوَاصَلَاتِ الْعَامَّةَ لَا يَهْتَمُّ بِهَا الرَّاكِبُ كَمَا يَهْتَمُّ أَحَدُنَا بِسَيَّارَتِهِ الْخَاصَّةِ.

وَنَجِدُ الْقِطَارَاتِ وَقَدْ تَحَطَّمَتْ وَأُتْلِفَتْ، وَالْجَمِيعُ مَسْؤُولٌ عَنْهَا، بَدَايَةً مِنَ الَّذِي يَسْتَخْدِمُهَا، أَوْ مِنَ الَّذِي يَرَى مَنْ يُتْلِفُهَا وَلَا يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.

حُبُّ الْوَطَنِ بِالِاتِّحَادِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ.

قَدِيمًا قَالُوا: إِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةُ صِينِيِّينَ كَتَبُوا حِكْمَةً.

وَإِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةُ يَابَانِيِّينَ اخْتَرَعُوا آلَةً.

وَإِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةُ أَمْرِيكَانِيِّينَ تَآمَرُوا عَلَى الْعَرَبِ.

وَإِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةُ فَرَنْسِيِّينَ أَلَّفُوا كِتَابًا.

أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةُ عَرَبٍ شَكَّلُوا خَمْسَ طَوَائِفَ، وَخَمْسَةَ أَحْزَابٍ، وَخَمْسَةَ قَوَانِينَنَ،

يُعْلِنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الرَّئِيسُ دُونَ جَلْسَةِ نِقَاشٍ وَاحِدَةٍ،

وَتَبْدَأُ التَّحَالُفَاتُ، ثُمَّ الْخُصُومَاتُ، ثُمَّ الْفِتْنَةُ، ثُمَّ التَّكْفِيرُ، ثُمَّ اسْتِيرَادُ الْأَسْلِحَةِ، ثُمَّ الْقَتْلُ.

كَفَاكُمْ يَا عَرَبُ. أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ سَيَرِثُ الْأَرْضَ هُمْ تُجَّارُ السِّلَاحِ، لِأَنَّنَا مَشْغُولُونَ بِقِتَالِ بَعْضِنَا.

اتَّحِدُوا يَا عَرَبُ. فَالْقُرْآنُ يَمْدَحُكُمْ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ؟

خَالَفْنَاهَا فَأَصْبَحْنَا مُسْتَأْسِدِينَ عَلَى بَعْضِنَا، عَلَى مُسْتَوَى الدُّوَلِ وَالْأَفْرَادِ، وَعَلَى عَدُوِّنَا رُحَمَاءَ.

وَأَجْمَلُ مَا يَتَجَلَّى بِهِ حُبُّ الْوَطَنِ حَقُّ الدُّعَاءِ.

الدُّعَاءُ تَعْبِيرٌ صَادِقٌ عَنْ مَكْنُونِ الْفُؤَادِ، وَلَا يُخَالِطُهُ كَذِبٌ، أَوْ مُبَالَغَةٌ، أَوْ نِفَاقٌ؛ لِأَنَّهُ عِلَاقَةٌ مُبَاشِرَةٌ مَعَ اللَّهِ.

لَقَدْ دَعَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَدِينَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَي مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَمِنْ حُبِّهِ لِلْمَدِينَةِ، يَأْخُذُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِيقِهِ بِتُرَابِ وَطَنِهِ، وَيَمْسَحُ بِهِ الْمَوْضِعَ الْعَلِيلَ، وَيَقُولُ: «بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا»..

السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، هَاجَرَتْ وَهِيَ تَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعَ سَنَوَاتٍ، وَعَاشَتْ بِالْمَدِينَةِ ثَمَانًا وَخَمْسِينَ عَامًا. مَاذَا كَانَتْ تَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا لِلْقَمَرِ فِي الْمَدِينَةِ؟ «الْقَمَرُ فِي مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَمَرِ فِي الْمَدِينَةِ»… إِنَّهُ حُبُّ الْوَطَنِ.

وَحَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا، وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

وَدُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُظْهِرُ مَا يَفِيضُ بِهِ قَلْبُهُ مِنْ حُبٍّ لِمُسْتَقَرِّ عِبَادَتِهِ، وَمَوْطِنِ أَهْلِهِ.

خِتَامًا أَقُولُ:

وَاللَّهِ، ثُمَّ وَاللَّهِ، مِصْرُ هَذِهِ لَا يَصْلُحُ لَهَا إِلَّا أَهْلُهَا، وَلَا يُصْلِحُهَا إِلَّا أَهْلُهَا.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ أَنْ يُحْسِنَ اسْتِضَافَةَ الْبَلَاءِ كَأَهْلِ مِصْرَ.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ أَنْ يَضْحَكَ وَقْتَ الْأَزْمَاتِ كَأَهْلِ مِصْرَ.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ أَنْ يَصْنَعَ مِنَ الْحَنْظَلِ سُكَّرًا كَأَهْلِ مِصْرَ.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ الْإِنْسَانِيَّةَ كَأَهْلِ مِصْرَ.

لَا أَحَدَ يَعْرِفُ التَّضْحِيَةَ كَأَهْلِ مِصْرَ.

لَا أَحَدَ يَسْتَرْخِصُ نَفْسَهُ فِدَاءً لِلْوَطَنِ كَأَهْلِ مِصْرَ.

وَلَا عَجَبَ، فَقَدْ رَأَيْنَا فِي الْفَتْرَةِ الْأَخِيرَةِ هَذَا الْبَطَلَ الَّذِي أَعْجَزَ غَيْرَهُ بِكُلِّ مَعَانِي الشَّهَامَةِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ، فَتُوُفِّيَ مُتَأَثِّرًا بِإِصَابَتِهِ، بَعْدَ أَنْ هَبَّ لِإِنْقَاذِ مَنْطِقَةٍ بِأَسْرِهَا مِنْ كَارِثَةٍ مُحَقَّقَةٍ فِي مَدِينَةِ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي الشُّهُورِ الْمَاضِيَةِ؛ بِأَنْ سَارَعَ إِلَى إِبْعَادِ سَيَّارَةِ إِمْدَادٍ بِالْوَقُودِ إِثْرَ اشْتِعَالِهَا، فَافْتَدَى بِجِسْمِهِ وَرُوحِهِ أَهْلَ الْمَنْطِقَةِ، وَزُمَلَاءَهُ، وَالْمَكَانَ بِأَكْمَلِهِ.

كُلُّ هَذَا يُؤَكِّدُ

أَنَّ الْمِصْرِيَّ لَا يُنَافِسُهُ فِي الْوَطَنِيَّةِ أَحَدٌ.

فَالْوَطَنُ لَيْسَ حُفْنَةً مِنْ تُرَابٍ.

إِنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ مَكَانًا نَعِيشُ فِيهِ، بَلْ مَكَانٌ يَعِيشُ فِينَا، فَلَا شَيْءَ يُعَادِلُ تُرَابَ الْوَطَنِ.

لَيْسَ هُنَاكَ مَنْطِقَةٌ رَمَادِيَّةٌ فِي عِشْقِ الْوَطَنِ، فَلَيْسَ أَمَامَكَ إِلَّا أَنْ تُحِبَّهُ وَتُدَافِعَ عَنْهُ.

لِذَا أَقُولُ: هَذِهِ هِيَ النَّمَاذِجُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ لِلنَّاسِ قُدْوَةً.

هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَبْطَالُ الَّذِينَ يَجِبُ أَنْ تُخَلِّدَ الْأَوْطَانُ ذِكْرَهُمْ.

هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ جَسَّدُوا حُبَّ الْوَطَنِ، وَأَثْبَتُوا أَنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ حُفْنَةً مِنْ تُرَابٍ،

وَكَأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَقُولُ:

أَيُّهَا الْوَطَنُ الْحُرُّ الْأَبِيُّ الشَّامِخُ، كُنْ كَمَا أَنْتَ، فَنَحْنُ فِدَاؤُكَ.

كُنْ شَامِخًا، وَادْحَرْ عَدُوَّكَ بِأَيْدِينَا، وَعُقُولِنَا، وَأَفْكَارِنَا، وَأَعْمَالِنَا، بَلْ بِأَرْوَاحِنَا.

وَوَاللَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَتَاللَّهِ،

لَنْ يَكُونَ وَطَنُنَا إِلَّا بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْمِصْرِيِّينَ ثَانِيًا.

لَنْ تُبْنَى مِصْرُ بِالْأَمْرِيكَانِ.

لَنْ تُبْنَى مِصْرُ بِالْأُورُوبِّيِّينَ.

لَنْ تُبْنَى مِصْرُ بِالْإِمَارَاتِيِّينَ، وَلَا بِالسُّعُودِيِّينَ، وَلَا بِالْقَطَرِيِّينَ، وَلَا بِالْكُوَيْتِيِّينَ.

لَنْ تَكُونَ مِصْرُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْمِصْرِيِّينَ.

نُدَافِعُ عَنْ وَطَنِنَا بِالنَّصِيحَةِ، فَنَحْنُ جَمِيعًا رُكَّابُ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ.

نَحْنُ جَمِيعًا رُكَّابُ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِنْ نَجَتْ نَجَوْنَا جَمِيعًا، وَإِنْ هَلَكَتْ هَلَكْنَا جَمِيعًا.

كُونُوا مِنَ الْحُمَاةِ لَهَا، وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْخَارِقِينَ لَهَا.

فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ فِئَةٌ تَخْرِقُ السَّفِينَةَ، فَأَيْنَ أَنَا وَأَنْتَ؟

مِنَ الْمُحَافِظِينَ لَهَا، أَمْ مِنَ الْخَارِقِينَ وَالْمُضَيِّعِينَ لَهَا؟

يَا سَادَةُ: الْأُسْرَةُ وَطَنٌ. الْبَلَدُ وَطَنٌ. الدِّينُ وَطَنٌ. الْآخِرَةُ وَطَنٌ.

وَلَا نَنْسَى الْحَدِيثَ عَنِ الْوَطَنِ وَالْحَنِينِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُذَكِّرُ الْمُؤْمِنَ بِالْوَطَنِ الْأَوَّلِ، أَلَا وَهُوَ الْجَنَّةُ.

نَعَمْ، ذَلِكَ هُوَ مَوْطِنُنَا الْأَصْلِيُّ الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ مُعْظَمُ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا مَهْمُومٌ حَزِينٌ، هَمُّهُ التَّزَوُّدُ بِمَا يَنْفَعُهُ عِنْدَ الْعَوْدِ، فَمِنْ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَسْكَنَهُ هُوَ وَزَوْجَتَهُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَوَعَدَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا صَالِحِي ذُرِّيَّتِهِمَا.

فَالْمُؤْمِنُ أَبَدًا يَحِنُّ إِلَى وَطَنِهِ الْأَوَّلِ، وَحُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ.

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ.

وَلِهَذَا كَانَ الْمُؤْمِنُ غَرِيبًا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَيْنَمَا حَلَّ مِنْهَا، فَهُوَ فِي دَارِ غُرْبَةٍ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: فَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

حَرَصَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى الْأَوْقَاتِ، خُصُوصًا الْأَوْقَاتِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالٌ حَبَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَزِيدِ فَضْلٍ وَنَوَالٍ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ؛ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَذِكْرٍ وَقِيَامٍ، وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَبَرَّاتِ.

وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كُلَّ وَقْتٍ مِنْهَا بِوَظِيفَةٍ مِنَ الْوَظَائِفِ الَّتِي تُؤَدَّى فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.

يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا اثْنَيْنِ: مُشَاحِنٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ».

وَيُرْوَى عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَأَكْثَرَ الْخُرُوجَ فِيهَا، يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ مَا دَعَا اللَّهَ أَحَدٌ إِلَّا أَجَابَهُ، وَلَا اسْتَغْفَرَهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَّا غَفَرَ لَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ عَشَّارًا أَوْ سَاحِرًا أَوْ شَاعِرًا أَوْ كَاهِنًا.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ الذُّنُوبَ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا: الشِّرْكُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالزِّنَا؛ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ.

كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا يَزْنُونَ﴾.

وَمِنَ الذُّنُوبِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ أَيْضًا: الشَّحْنَاءُ، وَهِيَ حِقْدُ الْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ بُغْضًا لَهُ لِهَوَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَيْضًا مِنَ الْمَغْفِرَةِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا».

وَقَدْ فَسَّرَ الْأَوْزَاعِيُّ هَذِهِ الشَّحْنَاءَ الْمَانِعَةَ بِالَّذِي فِي قَلْبِهِ شَحْنَاءُ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الشَّحْنَاءَ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ مُشَاحَنَةِ الْأَقْرَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُشَاحِنُ كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ فَارَقَ عَلَيْهَا الْأُمَّةَ.

وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ ثَوْبَانَ: الْمُشَاحِنُ هُوَ التَّارِكُ لِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الطَّاعِنُ عَلَى أُمَّتِهِ، السَّافِكُ دِمَاءَهُمْ.

وَهَذِهِ الشَّحْنَاءُ، أَعْنِي شَحْنَاءَ الْبِدْعَةِ، تُوجِبُ الطَّعْنَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِحْلَالَ دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ، كَبِدَعِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَنَحْوِهِمْ.

فَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ: سَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّحْنَاءِ كُلِّهَا، وَأَفْضَلُهَا السَّلَامَةُ مِنْ شَحْنَاءِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، الَّتِي تَقْتَضِي الطَّعْنَ عَلَى سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَبُغْضَهُمْ، وَالْحِقْدَ عَلَيْهِمْ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ دِيَارَنَا وَأَوْطَانَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

أ. د. عبد الغني الغريب

 

 _______________________________

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

 

اظهر المزيد

كتب: د.أحمد رمضان

الدكتور أحمد رمضان حاصل علي الماجستير من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز سنة 2005م ، وحاصل علي الدكتوراه بتقدير مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الأزهر الشريف سنة 2017م. مؤسس جريدة صوت الدعاة ورئيس التحرير وكاتب الأخبار والمقالات المهمة بالجريدة، ويعمل بالجريدة منذ 2013 إلي اليوم. حاصل علي دورة التميز الصحفي، وقام بتدريب عدد من الصحفيين بالجريدة. للتواصل مع رئيس التحرير على الإيميل التالي: ahmed_dr.ahmed@yahoo.com رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) للمزيد عن الدكتور أحمد رمضان رئيس التحرير أضغط في القائمة علي رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى